البلادة الحسية

” أحمل قلمي بين أصابعي الثلاثة .. أسأله ماذا تكتب ؟ وعمن تكتب ؟ ولمن ترسل خطابك؟ يجيبني مبتسما ابتسامة حزن وتأسف موحيا : لنكتب جميعا عن الضائعين الغرباء .. عن المشردين .. عن المحتقرين و حقوق ضائعة .. عن المتألمين .. والقطاط السمان .. عن أصحاب الأجور المرتفعة باسم خدمة مصالح الشعب .. عن الذين يبيعون الكريمات ويكرمون بها الشيخات.. عن الذين سرقوا المال العام .. عن الأموال التي سرقوها ولم يوبخهم لا الضمير و لا القاضي .. عن الذين يسكونون صفائح من الزنك تحت رحمة البرد والأمطار .. عن الذين لا يجدون ما يأكلون .. عن الذين يتغاظون عن الأموال التي تجلبها بناتهم حينما يحتارون فيما يطبخون .. عن الذين يتقاضون الملايين شهريا وآخرون لا دخل لهم … وعن الكلمات الجميلة التي لم تكتب بعد . وعن حالة البلادة الحسية التي يمنى بها العالم الإسلامي اليوم والتي كان لها شبيه فيما مضى، فنجد على ضفة صراخا سياسيا وعلى الضفة الأخرى رقصا وعربدة .. ونجد قلة من العلماء يرفضون بيع القدس، ونجد علماء ذيل بغلة الحاكم .. يسكتون عن بيع الحرير، ويحتجون عند بيع الحمار .. يتآمرون مع السارق ويبكون مع المسروق .. فمتى تتوحد هذه الأمة أم صدق فيهم قول القائل : ” اتفق العرب على ألا يتفقوا “. من هذه الصور التاريخية السريعة والمختصرة لبعض الحوادث التي مرت في التاريخ الإسلامي يبدو أن حالة الانهزام الحاصلة اليوم، والتي تعيشها الأمة العربية والإسلامية ليست فريدة، بل الذل والتخاذل وبرود الأعصاب، وموت الضمير بل والإنسانية والآدمية معا يرتبط بالفرقة بين أطراف الأمة والتاريخ خير شاهد. الحالة الحقيقية هي حالة التحالف مع النصارى الحاصلة اليوم، هي حالة حصلت بالأمس .. ولذا فحالة الانهزام الحالية ليست فريدة أيضا … وعندما تتخلى الأمة عن إسلامها وعروبتها وكرامتها تكثر لديها صور التخاذل والانهزام التي نراها هذه الأيام. إن صور الخيانات والتحالفات التي حدثت في التاريخ الإسلامي في وقت الغفلة والتغافل نراها تتجدد اليوم في صور وحالات متنوعة فأغلب حالات الانهزام عبر التاريخ نتجت عن التحالفات الصليبية الإسلامية والفساد الإداري والسياسي في الدهاليز المغلقة والتاريخ خير شاهد على ذلك. يحدثنا التاريخ بأن الصليبيين عندما كانوا في اتجاه بيت المقدس تعهدت لهم عدة مدن ساحلية عربية بالتبعية إذا ما نجحوا في الاستيلاء على بيت المقدس .. والمؤسف أعانهم الكثيرون في اقتحام أسوار البيت سنة 492 هجرية واعملوا السيف في رقاب المسلمين بأيادي عربية ومات المسلمون الذين لجأوا للمسجد الأقصى للحماية فتم دبحهم كالنعاج .. …وأجمل الكلمات تلك التي لم تكتب بعد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *